Thursday, March 28, 2013

علاقة حب..معقدة


لا أشعر برغبة في تقبيل ترابها
هذا أول شعور انتابني فور وصولي غزة. جلست في السيارة أفكر في الرحلة الطويلة والضابط المصري الذي منعني من دخول أرضي..وفي طريقة دخولي التي كانت بالنسبة لي أشبه بمغامرة ممتعة تذكرني بالأفلام أو.. ربما بالوطنية.
لا أعلم، ولكنني لم أرغب في تقبيل ترابها.


أين ذلك الاحساس بالوطن.. ألست أنا معتزة بأرضي؟ وأكتب عنها؟ وأتمنى السير على رمال بحرها الجميل؟
لا علينا. لعلني بالغت في تخيل أول زيارة بعد أكثر من 12 سنة.

كل الجدران مغطاة بالشعارات السياسية وانواع التهنئة
طبعاً هي كذلك. هذه أبرز رموز الحرب -الكتابة على الحائط- هل كنت اتوقع الحدائق الخلابة مثلاً والزخارف في الشوارع؟
"وصلنا وصلنا" صرخة أفاقتني من كوكب التفكير. 




أذكر هذا الممر! "يا الله، ما أصغره!" لا هو ليس صغيراً ولكن في مخيلتي كانت هذه أكبر مساحة للعب. كل الأمور تبدو أصغر. ..بل انا أكبر، وتفكيري أعمق وتقيمي للمكان تغير. ما أجمل الطفولة وقلة المعرفة عن الأوضاع السياسية. معرفتنا ككبار ليست إلا تلويث لنقاء البال وهدم لقدرة الاستمتاع. 


أرى جدي وخالتي وعائلتي... هذا البيت لعبت في كل زواياه.. ونحن صغار كنا نتوق لزيارة فلسطين لنلعب في بيت جدي وجدتي.. كانت "تيتا" تحضر أشهى أصناف الطعام ليلة وصولنا... ولكن أين هي جدتي؟

"ياه.. في غيابي توفيت حبيبتي وقامت انتفاضة وحربين في هذه البلاد"
أشعر بعدم الارتياح.. هو حزن أو تردد أو فرح غريب أو ارهاق؟
لازلت لا أفهم شعوري تجاه المكان. أنا المحلل. أنا الغريب. انظرعلى ال"بلد" لا الوطن. ربما؟ لا أعرف ولكنني لا أفهم شعوري.
لازلت لا أريد تقبيل ترابها.


مع مرور الأيام، تعرفت على أشخاص رحبوا بي وكأنني لم أفارقهم يوماً.. ما أجمل الشعور بالعائلة. ما هذه الايجابية التي يتميزون بها؟ حب للحياة، بسمة لا تفارق وجوههم. كيف يعرفون منازل بعضهم البعض وهم لم يتزاوروا من قبل؟
"غزة كلها شارعين ونص" نعم غزة تجعلك تشعر أنها عبارة عن شارعين ولكن هذا من تقارب السكان. 


عدنا للمنزل بعد عزومه أخرى رائعة. أرى حضانة خلف عمارة جدي... هذه الفيلا لأهل جدي! عمرها لا يقل عن 60 عاماً. كنا في منتصف التسعينات نسكنها في الصيف.. هنا وقعت ونزف رأسي بسبب مشاغبتي... هنا قتلت عصفور وأنا أظنني أسعفه! هنا حياة كانت في مخيلتي محفورة ولكنها مغطاة بالغبار. 


"نعم؟" قالت مديرة الحضانة
"هذا المبنى يحمل ذكريات من طفولتي، اتسمحين لي بالدخول؟"
"نعم ولكن ممنوع التصوير"
كل الغرف لازالت كما هي ولكنهم بدلوا الأثاث بكراسي ومكاتب للطلاب. أراني طفلة تركض في ممرات هذا المنزل... في هذه الغرفة نمت بعد اصابت رأسي وفي هذه، وقفت أختي في مصيدة الفئران... والمطبخ، هنا جلست أبكي في طفولتي لأن جدتي –الله يرحمها- جعلتني أكمل صحن البازيلاء التي فرغتها بحذر من خلطة الأرز...وشجرة التين تلك والرجل الخشبي أعلاها.. هو كان صديقي.
ينظرون إلي الأطفال مستغربين بكائي.. كيف لا وأنا أستغرب بكائي أكثر منهم.
تمنيت لو أن الحديقة تشعر بدموعي فتذكر بعض لحظاتنا الجميلة وتهديني من الماضي باقة احفظها في مزهرية عقلي، احملها أينما تأخذني الأيام. 


فهمت شعوري.. أخيراً.

لم أكن أفهم الوطنية من قبل. كنت اعتقد ان ابن البلد يحن لهواء أرضه حتى ولو عاش دهراً بعيداً عنها. ولكن الوطنية هي ارتباط بمكان أو ذكرى... غزة التي كنت أحن اليها هي غزة الطفولة... هي منزلنا القديم.. هي مشروب البراد من كاظم... هي ذلك "الشيبس" الذي ليس له اسم! 


لا بأس أن تكمن الوطنية في بعض رموز الطفولة...يكفي أن تكون لي ذكريات هنا ارتبط بها.
كم حنيت لحظتها لتقبيل تراب حديقتنا...بقعة من أرضك يا وطن.
ها قد رحلت عن غزة وبدأت علاقة جديدة بيننا..

لا أعرف مستقبلها ولكني انتظره بكل شوق.
  

Saturday, February 2, 2013

هنياً لكم خلق النذالة


ملاحظة: هذه التدوينة منشورة على صفحة الجزيرة توك عالفيسبوك 


هنيئاً لكم التحضر .. بجمال تَكَبُرِه وطِيبَة كَشرَتِه
قال الدكتور طارق حبيب يوماً " اذا رأيتَ خيراً ولم تُشهر به تكون نذل"
وما أهل الحضارة اذاً سوى أنذال؟
في عصرنا باتت قلة الأدب رمزاً للتحضر
ولها قوانين لجميع مناسبات الدهر:
إن رأيتَ ما يُعجبك، لا تًمدحهُ والا أًصبحتَ .. ضعيف الشخصية
وإن أحبَبتَ، فلا تَهيمُ ففي الهيام تُطفئ حب المتيمُ
وإن مُدِحت فلا تَشكر، فأنت يا سيدي واثق من قدرتك
وقوة شخصيَتك في نَبرتِك ورُدودك الباردة تبلورك
اِحذر من التبسم فهو في كل الأحوال خطر
واياك أن تدع الظروف تقودك لبوح مشاعرك فتصبح في صف "العبط"
التحضر يكمن في أسلوبك الخشن
ما بك تعطي المحتاج لو طلب، وتساعد كل من سأل؟
مع كل قانون تختفي انسانية البشر
فهنيئاً لكم التحضر بجمال تَكَبُرِه وطِيبَة كَشرَتِه
أما الإنسانية فتقول:
تَحَلَى بالتقاليد وجَمِيل الخُلق
ومهما تَحضرتَ فلا تتحَضَر بمقاييس الزمن:
إن حَل عليك الخيرَ من الناسِ فاشكر
ولا تَعبَس في وجهِ أخيكَ لفَرضِ القِيم
وإن أُجبرتَ يوماً على الغضب فلا تكن الا في منتهى الأدب
يا أصحاب التحضر المصطنع
هنيئاً لكم التحضر بجمال تَكَبُرِه وطِيبَة كَشرَتِه
أما أنا فاخترت.. الإنسانية وبفخر