Saturday, February 11, 2012

وكالات تسترزق من فقر شعوبها

"1500 دولار تزرعهم بين نارين"

 جمانة الكحلوت – الجزيرة توك - الدوحة

متعتهم في جَمعة الأصدقاء خلال أوقات الفراغ القليلة.. بايديهم كوب من مشروب "الكرك" وكاميرا "ديجيتال" قديمة يلتقطون بها صور تحت شجر النخيل على كورنيش الدوحة.


خلال الأسبوع، يعملون بصمت وجد على تعمير البلاد ولكننا لا نشهد حفلات تقديرهم ولا نحتك بهم في الأماكن العامة..انهم عُمال البناء..الجنود المجهولون، على ايديهم شهدنا نهضة اعمارية في الخليج وبالأخص في قطر.  

قطر ماضياً وحاضراً
قطر دولة صغيرة تجلس كاللؤلؤة شرق السعودية في قلب الخليج العربي. لم تستقل الدولة إلا في بداية السبعينات بعد ما كانت تابعة للاستعمار البريطاني. منذ ذالك الوقت عمل حكام دولة قطر على استثمار خيرات الأرض من البترول والنفط في تطوير وبناء ساحة صحراوية سكنتها القبائل العربية القديمة.

وبعد مرور أقل من خمسون عاماً على استقلالها ، أصبحت اليوم من أغنى دول العالم وأكثرهم تطوراً ونفوذاُ حيث أنها تتمتع بأسرع نمو اقتصادي تشهده أي دولة. ولكن من الجدير بالذكر أن عدد السكان في قطر لا يفوق 1.7 مليون ويشكل العُمال من دول فقيرة كالهند ونيبال والفيليبين وبنجلادش 50% من هذا الرقم، أي أن الدولة يقوم على بناءها هؤلاء الأبطال.

حقوق العمال: بين الاشاعات والحقائق
لقد كثرت القصص حول حال العمال في قطر وطريقة معاملتهم من قبل الشركات عامةً وشركات البناء خاصةَ. لذا، وجب الشرح عن الوضع الراهن وبرهان الصحيح من المعلومات وتكذيب المعلومات الخاطئة.

يسكن في قطر أكثر من 700000 عامل،  أغلبهم هاجر من بلده يبحث عن لقمة عيشٍ يسترزق منها وينفق على عائلته التي في أكثر الأحيان تتكون من الكثير من الأفراد مما يفرض عليه مسؤوليات مالية مهولة.

يأتي العدد الأكبر من العمال عن طريق وكالات العمل في بلادهم حيث أن أكثرهم يتعاقد مع شركات الخليج قبل مغادرة بلده. حتماً لا تقدم هذه الوكالات خدماتها حباً في الشعب ولا رأفةً بهم، بل تستغل ضعفهم وحاجتهم المادية لتنهب منهم مبلغ من المال يتفاوت بين $500 و$1500 حسب الوظيفة والبلد لتساعدهم على ايجاد فرص عمل في الخارج. وقد لا يشكل هذا المبلغ عبء مالي على الكثيرون ولكنه جدير بأسر هؤلاء المساكين في دوامة من الديون مدى الحياة. ويؤكد كريشنان، شاب نيبالي يعمل في قطر منذ 4 أعوام أن هنا تبدأ المشكلة.

مفاجآءات و"كلام في الهوى"
يخرج العامل من بلده تاركاً أهله واحبته بعد أن يوقع عقد عمل عادة يتكون من العناصر المعروفة للعقود، مثل ساعات العمل وطبيعة الوظيفة والراتب الشهري ومستحقات الموظف وكل التفاصيل التي اعتدنا رؤيتها في اتفاقيات العمل. ولكن المقلق في هذا أن أغلب ما يكتب في العقد مجرد "كلام" والحقيقة ليست لها علاقة به أبداً.  

يصل العامل إلى قطر ويجد في استقابله مندوب غالباً تتضمن مسؤولياته أخذ جوازات سفر العمال ليحجزهم عند كفيلهم في العمل. (وهنا يتسآءل "الواحد"..لماذا؟). الجواب ببساطة كما يصرح العديد من الكفلاء بكل جرأة هو خوفهم من ترك العامل للبلاد فجأة وما يترتب على ذالك من "تعطيل للعمل".

ثم يبدأ العمل فيتفاجأ العامل حيث يجد نفسه يعمل 12 ساعة يومياً (علماً أن عدد ساعات العمل القانوني في البلاد هو 8) وثم تظهر عصاء سحرية تنثر غبارها في كل مكان فتقلص من الراتب المتفق عليه (الذي عادة يكون مبلغ لا يتجاوز 1200 ريال قطري) وتزيد من الأشغال والمهام الرسمية فلا سيما يجد العامل نفسه في بلد غريب، بعيداً عن أهله وأولاده براتب ضعيف وعمل منهك.



عالقون بين نارين
هنا تكمن المشكلة العسيرة...هل يستقيل ويقضي عدة أشهر في السفارة حتى يتخلص من الكفيل وبذالك يقطع الدخل على عائلته لفترة من الزمن ويعود إلى بلاده ليجد نفسه غارقاً في ديون لوكالة توظيف كانت المسؤولة عن تجربته السيئة؟ أم يتحمل الارهاق والغربة في سبيل دفع ديونه والانفاق على عائلته ويمضي على أمل العودة إلى بيت صغير يجمعه مع أهله مستقبلاً ومبلغ من المال يستثمره في تجارة بسيطة ليعيش عليها ما يبقي من عمره؟

قد لا يكون الحل واضحاً بتاتاً، فالأمر فعلاً أكثر تعقيداً مما يظن الكثيرون فالمشكلة برأيي تبدأ من وكالة التوظيف في البلاد الفقيرة التي تستغل ضعف وفقر الشعوب في بلادهم وتنتهي بقوانين يَسهل على أصحاب الشركات الكبرى في دول الخليج التلاعب بها لانتهاك حقوق العامل فينتهي بهم الحال مثل "تول" الشاب النيبالي البالغ من العمر 32 عاماً الذي يعمل 7 أيام في الاسبوع، 12 ساعة يومياً ولا يحق له يوم راحة إلا بعد 10 أيام من الجهد ولكنه لا يستطيع العودة إلى النبال لأنه يحمل على ظهره عبء 1000 دولار يقسطها شهرياً لوكالة التوظيف التي كذبت عليه.. فبين مصاريف المدارس وتكاليف المنزل، لا يجد الوفرة من المال ليخلص نفسه من وضعه البائس.

وأما أخيراً وبالرغم من هذه الحالات المسجلة، ما يجدر ذكره هو أن عدد العمال الذين يعانون من المشكلات المطروحة أعلاه ليس كبيراً على عكس المعتقد العام. لقد تحدثنا مع 20 عمال في قطر ووجدنا أن 4 منهم يعانون من ساعات عمل طويلة ورواتب غير منتظمة ولكن زملاءهم من الشركات الكبرى لا يواجهون هذه العقبات. اذاً فالمشكلة موجودة ولكن ليست حاضرة بالصورة التي يقدمها الكثيرون. والمشكلة تكمن في أشخاص يستخدمون سلطتهم ونفوذهم "ليلفون" حول القوانين ووكالات تسترزق من قلة حيلة الشعوب فلو اتق الله كلاهما، تنتهي المشكلة ولا يبات عاملاُ مكسور الجناحين.   

No comments:

Post a Comment